الحلبي

88

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عندنا دفع عنه وأمر أبرهة رسوله أيضا أن يأتي له بسيد القوم ، فقال لعبد المطلب : قد أمرني أن آتيه بك ، فقال عبد المطلب أفعل ، فجاءه راعي إبله وخيله ، وأخبره أن الحبشة أخذت الإبل والخيل التي كانت ترعى بذي المجاز . وفي سيرة ابن هشام بل وفي غالب السير الاقتصار على الإبل ، وأنها كانت مائتي بعير ، وقيل أربعمائة ناقة . فركب عبد المطلب صحبة رسول صاحب الفيل وركب معه ولده الحارث فاستؤذن له على أبرهة أي قيل له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب عين مكة يعني زمزم ، وهو يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال ، فأذن له . فلما دخل ورآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلسه على سرير ملكه ، فنزل عن سريره وأجلسه معه على البساط وقال لترجمانه اسأله عن حاجته ، فذكر إبله وخيله ، فذكر الترجمان له ذلك ، فقال للترجمان بلسان الحبشة قل له كنت أعجبتني إذ رأيتك ثم قد زهدت فيك إذ سألتني إبلا وخيلا ، وتركت أن تسأل عن البيت الذي هو عزك ، فقال له الترجمان ذلك ، فقال عبد المطلب أنا رب الإبل والخيل التي سألتها الملك ، وأما البيت فله رب إن شاء أن يمنعه من الملك ، فقال أبرهة ما كان ليمنعه مني ، فرد عليه ما كان أخذ له وانصرف . وأبرهة بلسان الحبشة : الأبيض الوجه . ثم إن الفيل لما نظر إلى وجه عبد المطلب برك كما يبرك البعير وخر ساجدا ، وأنطق اللّه سبحانه وتعالى الفيل ، فقال : السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب . وفي كلام بعضهم أن أبرهة لما بلغه مجيء عبد المطلب إليه أمر أن عبد المطلب قبل دخوله عليه أن يذهب به إلى الفيلة ليراها ويرى الفيل العظيم وكان أبيض اللون . أقول : رأيت أن ملك الصين كان في مربطه ألف فيل أبيض ، وكان مع الفرس في قتال أبي عبيد بن مسعود الثقفي أمير الجيش في خلافة الصديق أفيلة كثيرة عليها الجلاجل ، وقدّموا بين أيديهم فيلا عظيما أبيض ، وصارت خيول المسلمين كلما حملت وسمعت حس الجلاجل نفرت ، فأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة فقتلوها عن آخرها ، وتقدم أبو عبيد لهذا الفيل العظيم الأبيض فضربه بالسيف فقطع زلومه ، فصاح الفيل صيحة هائلة ، وحمل على أبي عبيد فتخبطه برجله ووقف فوقه فقتله ، فحمل على الفيل شخص كان أبو عبيد أوصى أن يكون أميرا بعده فقتله ، ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد ، وهذا من أغرب الاتفاقيات واللّه أعلم . وإنما أرى عبد المطلب الفيلة إرهابا لها وتخويفا فإن العرب لم تكن تعرف الأفيال ، وكانت الأفيال كلها ما عدا الفيل الأعظم تسجد لأبرهة . وأما الفيل الأعظم فلم يسجد إلا للنجاشي ، فلما رأت الفيلة عبد المطلب